Monday, February 28, 2011


ضياع في سوهو



في مترو انفاق نيويورك : وطني حقيبة وحقيبتي وطني‬

ان من يحتقر اللوحات ، انما هو يحتقر كل شيء‬



ان الطبيعة من أجمل لوحات الله‬




انني اعشق الطبيعة ، لانها كالطفل لاتستطيع ان تكذب



ان الانسان الفنان يولد وهو فنان ولايمكن اطلاقا لأحد ما أن يصنع فنانا ،لا المؤسسات ولا الجامعات ولا الاموال ولا الشهرة الزائفة، فالفنان الحقيقي يولد ويموت فنانا حقيقيا، هذا ماتعلمته من الفن والحياة عموما، يقول كاندنسكي ( الرسم فن رفيع، والفن يمنح قوة تستهدف تنمية النفس الانسانية، واذا فشل الفن في ان يحقق هذا الهدف فان المسافة التي تفصلنا عن الله تفتقر لجسر يمكننا العبور عليه للسموالانساني الأرقى ) .




في أكاديمية الفنون الجميلة ، بدأت رحلتي الحقيقية في الرسم والحكاية تطول ، وكان يشرف علينا الرسام الراحل محمد صبري ،
في سنتي الثانية بدأت روح التمرد والجنون المعقلن ( الكثيرون من المقربين وقتها ومازالوا ومنذ تلك الايام يلقبونني بالمجنون ) تنمو في داخلي كنبات الفطر، فتوجتها بتمردي الأول في الحياة ، فتمردت وقررت أن أترك الاكاديمية والدراسة والأستمرار فيها امام دهشة الاصدقاء والاهل
والاساتذة وكانوا يقولون لي ( والله انت مخبل اي مجنون ) وكنا وقتها في اتون و سعير الحرب العراقية الايرانية , فقد اكتشفت ان الاكاديميات والمعاهد لاتصنع الفنانيين، كما يقول هربرت ريد ، وقد اصبحت الاكاديمية كلية مغلقة للبعثيين وصارت مؤسسة حزبية وعسكرية ، وكان الاستاذ ( ليس الجميع بالتاكيد ) يدخل وهو يتمنطق بالمسدس ، فأنا شخصيا لا أستسيغ ولا اتقبل أن يتحدث الأستاذ عن فلسفة الجمال و فان كوخ مثلا وهو يحمل مسدس، هذا الوضع الغريب والشاذ واللامعقول جعلني اكره الفن بدل أن أحبه ، ووجدت نفسي في وضع مقزز وعندما شعرت بالصدمة لم اتحمل الوضع فتركت الكلية ولم اندم على ذلك سوى انني تركت بعض الاساتذة الرائعين وبعض الطلبة الفنانين
في منتصف الثمانينات تم قبولي في اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وكان المشرف على الاختبار او الامتحان هو الفنان الكبير والمبدع الخلاق الاستاذ ( وليد شيت ) وكان قد وضع امامنا نحن الطلبة للاختبار تمثال جبسي صغيرمع تفاصيل اخرى لرسمها بقلم الفحم وقد أتقنت رسمها وكان يراقبنا وثم اقترب مني وهمس في اذني أعظم ما سمعته في الحياة (جيد ، انت راح تصير رسام ) وكانت كلمته تلك اعظم كنوز الدنيا بالنسبة لي ولم لا وهو الفنان الكبير والبروفيسور المتخرج من جامعة هارتفورد للفنون والتي تعبر من ارقى الجامعات الامريكية والعالمية ، وكان نعم الاستاذ والفنان وصديق الطلبة بكل معنى الكلمة ، وللأسف الشديد تعرض من قبل جلاوزة البعث الفاشي الى الاعتقال والسجن وثم التهميش وذلك بسبب افكاره التنويرية العظيمة وقد ترك غيابه اثرا كبيرا في نفوس الطلبة والفنانين عموما ، ولم يكن احدا يتجرأ حتى من ذكر اسمه خوفا على حياته .اشكر الله لان هذا الفنان الكبير بقي صامدا وشجاعا ولم يمت في السجن ، اشكر الله لأنه مازال على قيد الحياة وهو بيننا الان بفنه الكبير وبحكمته المعهودة وارائه العظيمة وروحه الجميلة الطيبة ، له مني كل التقدير والاعتزاز والمحبة ، متمنيا له العمر الطويل والابداع الدائم والمتجدد

انظر وأتامل مايجري في اكاديمية الفنون الجميلة والمعهد في بغداد وغلق ابواب القاعات الفنية واشعر بنهاية الفن العراقي هذا الفن الذي كان في طليعة الفن العربي لكن اليوم تراجع الى الخلف مئات الخطوات ، واعتقد ان مستقبلا مظلما ينتظر الفنان العراقي واتمنى ان اكون مخطئا تماما ، تصوروا ان بعض الرسامين من اصدقاءنا (الفنانين) قد تحول الى خطيب في جامع ، واخر صار وهابيا اعتزل الحياة واخر ترك الرسم رغم انه مقيم في الغرب وأبلغ عائلته في العراق ان يحرقوا كل رسوماته لانه اكتشف ان الرسم حرام اليست هذه مأساة حقيقية ، وقبل ايام قرأت خبرا مثيرا وهو ان احد علماء الدين في مصر افتى بتحريم النحت وتواجد المنحوتات في البيوت او الساحات ولاحقا في المتاحف ، كما حدث في متاحف ايران بتشويه لوحات الانطباعيين وتدمير الاثار في افغانستان وهلم جرا


في المرحلة الاعدادية كنت رسام المدرسة وقد توجت انهاء الدراسة الاعدادية بالدخوال الى اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. اتذكر ان مدير المدرسة في الاعدادية وهو الاستاذ عبدالرحمن عاصي الطالباني ذكر امام الطلبة في احد الأيام ان صدرالدين ياتي بالكتب الخليعة الى المدرسة رغم انه طالب جيد وهنا استغربت من كلامه وقلت له مستحيل انا افعل ذلك وقد اكتشفت في نهاية المطاف انه قد وصله خبر حول الكتلوك الجميل للنحات المبدع دارا حمه سعيد، والذي كانت فيه منحوتات عارية وكنت دائما ما أجلبه معي للمدرسة ليشاهده الطلبة وقد دافعت عن رسومات دارا امام المدير في وقتها وقلت له: هذه منحوتات وفن عالمي لفنان كردي يعيش في ايطاليا وجرنا الحديث الى عصر النهضة ومايكل انجلو، وهنا استوقفني المدير وقال لي: والله انت اما عبقري او مجنون، ومنذ ذلك الوقت كان الطلبة يلقبونني بالعبقري وذلك بسبب المعلومات التي كنت امتلكها في وقت لم يفقه الأعم الأغلب من الطلبة شيئا في الفكر والثقافة والفن وكل هذا بسبب عدم وجود دروس تربية فنية حقيقية، فلا زال في العراق درس الرسم هو اما درس رياضة او درس شاغر، لذلك ستبقى الامية الفنية تعيش طويلا في عموم العالم العربي


في الصف الاول المتوسط اقمت اول معرض شخصي لي في ثانوية داقوق وذلك بتشجيع كبير واهتمام من الفنان المسرحي
الراحل داوود زيا الذي اعتبره اول من شجعني ونبهني الى انني ساصبح رساما لو اخلصت في الرسم ، وكان يحدثني عن الفن ويزودني بكتب عن حياة الفنانين العالميين ولكن للاسف لم يستمر الحال سوى نصف عام في المدرسة فبسبب افكاره التقدمية الماركسية وشى به من وشى ، وصدر بحقه امر القاء القبض عليه ولكنه في اللحظة الاخيرة هرب ولم اره بعد ذلك ابدا ، وقبل سنوات مات في منفاه في السويد وقد ابلغني بذلك صديقي الكاتب العراقي المبدع (نصرت مردان) فهو كان من اصدقاء المرحوم المقربين ... انني مدين لذلك المعلم بالكثير ، رحمة الله عليه


‫في الصف الخامس الابتدائي كنت قد وصلت الى مرحلة جديدة في الرسم فبدأت ارسم لأول مرة صور الفتيات واتذكر مرة رسمت فيها فتاة كانت تدرس معنا في المدرسة، كنت متعلق بها وبجمالها أيما تعلق ( طبعا انا دخلت المدرسة وعمري عشر سنوات ، يعني في الابتدائية كنت مراهقا)، فرسمت تلك الفتاة وهي بتنورة قصيرة وتفاصيل اخرى، انبهروا التلاميذ حينما شاهدوا ذلك الرسم، وحدث في حينه ان قام احد التلاميذ بسرقة الرسم واخذه الى معلم الرسم وكان اسمه ( جمعة ولا اتذكر اسم والده ) جاءني المعلم غاضبا ونهرني امام التلاميذ وقال بالحرف الواحد: " لو رسمت مرة اخرى مثل هذه الرسوم لقطعت يديك" هذا بدل ان يشجعني وقد استغربت جدا ومعي التلاميذ الفرحين بذلك الرسم، ولكن زال استغرابي حين علمت لاحقا ان هذا المدرس كان ذا توجه ديني وقد أعدمه نظام صدام لانتمائه لأحد الاحزاب الاسلامية آنذاك. طبعا منذ ذلك الوقت وحتى اليوم لازلت اخاف من رسم الفتيات، لقد مات ذلك المعلم لكن افكاره لازالت على قيد الحياة، بل قويت اكثر من قبل داخل المجتمع .



أشعر اليوم وأنا أتأمل حالة الشخصية العراقية ان كل واحد منهم يحمل في داخله حيوانا، بعضهم يحمل حيوانات جميلة كالطيور والارانب والسناجب ...الخ ، وهؤلاء من محبي الحياة و الجمال وهناك.. ويا للاسف من يحمل في داخله حيوانا كاسرا ومدمرا ومخيفا كالذئاب والنمور والافاعي ، انه ذلك الارهابي الذي يكره الحياة والجمال ويمجد القبح والموت ، على العموم انه الأنسان في كل مكان وزمان

اتجهت في بداية مسيرتي الفنية الى رسم طبيعة كوردستان فقط اضافة الى صور الحيوانات وعلى وجه الخصوص الذئب لما في ذلك من معاني ورموز لهذا المخلوق المخيف القوي الذي رافقني من خلال حكايات الكبار لنا حين كنا صغارا ، وبقي الذئب حتى هذا اليوم يرافقني في اغلب اعمالي ، وقتها كنت ارسم الذئب كرمز للشجاعة واليوم ارسمه كرمز للموت والهلاك والدمار والنفي كما يحدث اليوم في العراق


وانا طفل صغير وجدت نفسي غارقا في رسومات مائية وتخطيطية وزيتية عن موضوع واحد ووحيد هو كوردستان بطبيعتها الخرافية الاسطورية وبكل مافيها من جبال ووديان وغابات وبشر وحيوانات وحشرات وكل ما ينطق بالحياة والجمال ، فبدأنا نرسم كل شيئ يتعلق بـ ( فردوسنا المفقود ) كوردستان ، اتذكر ان اخي عابدين كان يتقن رسم البورتريت بمهارة عالية وقد رسم عشرات البورتريتات عن الزعيم الخالد مصطفى البرزاني رحمه الله ، وكنت اراقبه بدهشة اثناء الرسم وكان يحذرنا من رسم تلك الصورة ( الخطيرة ) على حد تعبيره لأن الحكومة اذا ما عرفت بالأمر فسوف تدفننا احياء


يمكنني القول بأني بدأت أعشق الرسم في السبعينات من القرن الماضي ، ويعود هذا العشق الى أن أغلب أفراد أسرتي يمتهنون الرسم ، فكان أكبرنا وهو أخي عابدين امين رساما ممتازا وهو من أوائل من تم قبوله في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ولكن للاسف لم يستمر بالدراسة بل انتقل الى كلية اخرى وذلك بسبب ظروف الحياة المعيشية الصعبة اضافة الى الوضع السياسي في ذلك الوقت، فقد التحق أكبر أخوتي الى صفوف المقاتلين المناضلين ( البيشمركة ) أبان ثورة ايلول الكردية ، وبذلك وضعتنا الحكومة جميعا في صف ( العصاة ) المصطلح الأمي الذي كان يطلقه حزب البعث الفاشي على المقاتلين الكورد المدافعين عن الحياة الحرة الكريمة والاستقلال والحرية على أرض كوردستان او ( بلاد الابطال ) كما في وصف شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري رحمه الله

الفنان ( الحقيقي) يولد ويموت فنانا

Sunday, February 27, 2011


لكل شيء أوان ، للرسم أوان وللتوقف عن الرسم أوان

أشكر الله ، لأنه وهبني نعمة الرسم ، كي أجد شيئا اسعد به نفسي وربما الآخرين


أجمل اللوحات ، هي تلك التي لاتفصح عن نفسها بسهولة


انني لا أرسم الا المخلوقات العارية ، لأنها الأنقى والأكثر صدقا


ان الانسان دون الفن والجمال هو أعمى ويعيش في الظلام ، لذلك فهو يبقى دائما وحيدا كئيبا ويحقد على كل شيء مضيء وجميل كالخفافيش وهذا ما نلاحظه اليوم في العراق بحيث يجول ويصول الارهابي الظلامي ليحرق الاخضر واليابس ويقتل ويذبح بدم بارد كل شيء قائم على الجمال هذا الجمال الذي قال عنه افلاطون انه بهاء الحق ، ونحن نعرف ان الله هو الحق وهذا يعني بالنتيجة ان الله والحق والجمال ، هو واحد



‫ان الانسان الذي يعبد الخالق هو يعبد الجمال ، الذي اصله نور وضوء ، وكل ضوء له ظل والرسم هو ضوء وظل ،الذي هو الليل والنهار ، اللذين هما اللونان الاساسيان الأبيض والاسود وما بينهما من الوان القوس قزح ، الذي هو اعظم تجلي للخالق الذي يعتبر هوالمصور الاول المجهول والمعلوم في ان واحد ، مجهول للذي لايرى ومعلوم للذي يرى


رسالة الفن

ان رسالة الفن في كل زمان ومكان ، هي واحدة من أسمى وأرقى الرسالات ، لأن مبدأ وفكرة الجمال هي أصل كل شيء ونحن دونها لاشيء ، لأن كل شيء جميل نابع من جمال الخالق الذي خلق كل شيء على احسن تقويم ووضع نوره فيه ، وهو نور الانوار

Saturday, February 26, 2011


لوحاتي فنطازيا طفولية حميمة ، ونافذة مشرعة للجمال والحب والامل داخل روح الإنسان فى عالمنا الموحش هذا


ان عالمي الفني هو مزيج من الواقع والخيال ، وغير منحاز الى الواقع الصرف ، ولا الخيال الصرف ، أفسره تفسيراً عقلانياً ذا بعد خرافى خيالى يأخذنا بعيداً الى جذورنا ووجودنا وأصلنا ، حيث مخلوقاتى التى يختلط فيها الحلم بالواقع، فلا هى حلمية ولا هى واقعية ، حيث بإمكان المرء اختيار الجانب الذى يمثله بحرية ، وهذا كله يجعل لوحتى مهضومة ومقبولة لدى شرائح مختلفة من أطفال وشباب وشيوخ ، ومن كتاب وشعراء وموسيقيين يشكروننى دوماً لأننى خلقت لهم عالماً باهراً مشحوناً بالصور الغريبة الحلمية، عالم غرائبى مفتوح على جميع جهات الأرض أساسه سحر وبراءة وطفولة ونقاء وجمال من نوع نادر

إن ما يجده المشاهد من وحدات صغرى محتشدة بكثافة عالية على لوحتي ، ومن مفردات لا أعتمد فيها على التلقائية أو من دون تفكير مسبق ونادراً ما تظهر بشكل عفوى أومصادفة عابرة ، بل هى بالتاكيد نتاج بحث مضنٍ طويل ، وتأمل فى كل موجودات الطبيعة ، الطبيعة التى وهبتنا كل شيء ، وأنا أنهل منها دوماً ومصدرى الثر حيث أقضى أوقاتا فى الغابات متأملاً الأشجار العملاقة والأعشاب ، ومتأملاً الطيور والحيوانات والحشرات الصغيرة المتنوعة الأشكال والألوان. كل هذه المفردات تشكل عالمى

لا ادري حتى اللحظة الى أين تقودنى لوحتى البكتوغرافية؟ هل ستوقفنى محطة أسلوبية ما يوماً قريباً، أم سأظل فى أرض الصناع السحرة. وهذا لا يعنى بأنى لا أفكر وحتى فى أثناء الرسم بأسلوبى الحالى بالتفكير الى ابتكار أسلوب آخر، ومفردات أخرى وعالم آخر.

وطن الرسام لوحته ، ولوحته وطنه

وجدت نفسى مبكرا أرفض الواقع الحيوانى الافتراسي ( الحروب ، قتل الانسان لاخيه الانسان ) وقررت أن أبنى لنفسي ، ولربما لآخرين يشاركوننى شعورى عالماً خيالياً ، ولنسمه وطناً افتراضياً أبنيه حجرة حجرة وبمشيئتى حيث الخالق والمخلوق هو الفنان نفسه ، هذا العالم هو عالمى الذى يدعونى الى مزيد من الجمال والآمال والأحلام المدهشة ، وبكل ما فيه من علامات وإشارت وشيفرات وأيقونات تعيش وتنمو وتكبر على سطح لوحتي أو وطنى الافتراضي


كلما قرأت أو سمعت بأنه قد عثر على مجموعة أخرى من الرؤوس البشرية العراقيةالمقطوعة على نهر دجلة أو فى أماكن متفرقة من العراق أشعر بمرارة وألم حاد فى كل انحاء جسدي . ولاحقا يتحول هذا الألم الى غضب عارم ، وثم يتحول غضبى الى خجل. نعم الخجل من أنتمائي الى الأنسان الذي يقطع رأس اخيه الأنسان بدوافع لا اجد لها تبريرا اطلاقا ، الا تبرير وحيد ، وهو القتل الغريزي الحيواني فقط ، هذا هو الشعور المدمر الذي ينتابني ويجعلني أشعر بالخجل لأنتمائي للأنسان الذي يفترض ان يكون ارقى المخلوقات

من خلال رسوماتي احلم بخلق وطن افتراضى ينتشلنى من عالمنا الواقع الذى يمر اليوم فى واحدة من أسوأ فترات التاريخ البشرى حيث صار عدو الإنسان نفسه بعد أن كان عدوه الحيوانات المفترسة فقط يوم لم يكن الانسان يخاف من شبيهه الانسان، وكان يروِّض حتى الحيوان المفترس نفسه. أما اليوم فصار الإنسان حيوانا للأسف أقول كل هذا بسبب القيامة التراجيدية على أرض وادي الرافدين تحديدا بصفتي عراقي وفي بقاع كثيرة اخرى من العالم وتحديدا الثالث منه وللاسف الشديد

مهمة الناقد ودوره
انني اشبه الناقد الجيد والمميز مثل الطبيب الاختصاصي ، فهو يشخِّص المرض ، ويكتب للمريض العلاج ، ويتابع حالة المريض كل ستة أشهر كى يعرف نتيجة تحليلاته وعلاجه ، وذلك كى يعيش المريض طويلاً ، وبشكل صحى تماماً وهذا هو حال الناقد والفنان كما أرى . أعرف أن قائلاً سيقول من الفنانين: وهل الفنانين مرضي؟ أقول: نعم ، إن كل الفنانين مرضى نفسيّين بشكل أو بآخر، وأى فنان خارج هذا التصنيف هو مجرد بائع أنتيكات. ونحن فى العراق نسمّيهم رسامين تجاريين

لقد جاءت عناوين لوحاتى كنتيجة حتمية لهذه الشواهد مثلاً الطيور الموجودة فى أريزونا الصحرواية ذات الطبيعة القاسية هى غيرها الموجودة فى بينسلفانيا مثلاً، والحيوانات الموجودة فى نيومكسيكو هى غيرها فى كولورادو مثلاً إلخ، هذا الاختلاف والتنوع سببه اختلاف عناوين لوحاتى من صحراوية إلى ليلية إلى نهارية الخ. فهناك مخلوقات لا تخرج إلا فى الليل. وهناك أخرى لا تخرج الا فى النهار، وهناك حيوانات تظهر فى الفجر فقط، وأخرى تظهر فى المساء فقط الخ. وهذه التوقيتات الزمانية تؤثر حتى على لون وحركة الكائن أو المخلوق، ولذلك يجد المشاهد هناك أعمال عنونتها بـ"مخلوقات خضراء" وأخرى حمراء الخ. وكذلك التوقيتات المكانية حيث صحارى نيفادا مثلاً هى غيرها صحارى نيو مكسيكو بحيث تؤثر على المفردة التى أضعها على اللوحة. فهناك بعض المفردات تشى أوتوماتيكياً بالمكان، فلوحة "حيوانات من نيومكسيكو" سمَّتها ابنتى الصغيرة اريتوزا حين دخلت مرسمى بعد انتهائى من تلك اللوحة. وما أن شاهدت المفردات فى اللوحة حتى قالت سمّ هذه اللوحة بهذا الأسم، وأنا سميتها لأننى كنت قد وضعت أشكالاً حيوانية تابعة لمنطقة نيومكسيكو. إن اكتشاف ابنتى لتلك اللوحة أثبت صحة ما أصبو إليه، وأفكر فيه‬

خلال زيارتى الأخيرة للمتحف الطبيعى فى العاصمة واشنطن ومن خلال تأملى لتلك الرسومات المنقوشة على الحجر وتأملى للهياكل العظمية والمتحجرات فى المتحف اكتشفت أشياءً ومفردات وأفكاراً ورؤى جديدة خاصة. وقد وجدت ماكنت أبحث عنه وهذا ما جعلنى أرسم سلسلة أعمال معنونة بـ "مخلوقات"‬

لم أتصور يوماً بوجود أعمال بدائية على أرض أمريكا ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى وجدت اكتشافاً مهماً غير مسبوق بالنسبة لي ، ولم أشاهده من قبل وأقصد المتحجرات الحيوانية البحرية ، ثم هياكل الديناصورات العملاقة وآلاف الهياكل لحيوانات وطيور أسطورية كانت تعيش فى أمريكا بيننا قبل ملايين السنين. وقد بقيت كما هى ومعروضة فى الطبيعة على الأحجار وجدران الكهوف القديمة. وقد وجدت فى تلك الأجواء والرسومات البدائية والتى يطغى عليها الجانب الطفولى والبدائى والأسطورى والحكائى الديني ، كما يبدو لي ، ما أبحث عنه فى أمريكا بشكل غير متوقع

أنجزت مجموعة كبيرة من الأعمال فى عام 2005 وقد عنونتها جميعاً بمخلوقات، وجاءت مخلوقاتى هذه المرة بشكل آخر. وسبب هذا الاختلاف أو التغير أو النزوع أو الهيمنةهو أننى اكتشفت عوالم وكائنات ومخلوقات أسطورية وبدائية جديدة هى ليست تلك التى كنت قد استلهمتها من تراثى الرافدينى العريق كما كنت من قبل، بل أننى اكتشفت هنا فى أمريكا حيث أعيش فيها حيث هنالك مناطق وولايات غير مأهولة بالسكان فى مناطق شاسعة منها مثل ولاية أريزونا ويوتا وكولورادو ونيومكسيكو حيث توجد الكثير من الرسومات والمحفورات على الأحجار رسمت من قبل فنانين مجهولين تعود هذه الرسومات الى مئات السنين،‬
فكرة أن أصبح رساما ، كانت تثيرني وتهمني ، أكثر من أي فكرة اخرى‬


الفن فكرة ، قبل ان تكون ضربة فرشاة ، تنتهي بلوحة

قوة الأفكار، من قوة الخيال‬

الأفكار الجديدة ، تخلق لوحاتا جديدة واللوحات الجديدة ، تخلق أفكارا جديدة

الأفكار الكبيرة ، تنبع من أحلام الطفولة الصغيرة


صدرالدين ، واقفا قبالة اشهر لوحة للفنان الامريكي (بارنيت نيومان ) المعروضة في متحف الفن الحديث بنيويورك‬

الفنان كائن عظيم ، بامكانه ان يغير ايقاع الكون بلمسة من فرشاته ، اذا استطاع الى ذلك سبيلا‬

الطابع الكرافيكى ، يضفى على الأعم الأغلب من أعمالى المبكرة منها والمنفذه منها اليوم ولهذا أسباب جمة، فأولى هذه الأسباب أن أسلوبى "البدائي" فى الرسم يتحتم على وضع لمسات غرافيكية فى الخط او اللون على حد سواء ولأن فن الغرافيك يعتمد بالأساس على الحفر أولاً والطباعة ثانياً، ولأن أولى رسومات الإنسان كانت عبارة عن أحفورات نفذت بواسطة إما أحجار مدببة أو عظام الحيوانات وطبع الكف المغموس بدماء الحيوانات التى يصيدها الانسان البدائى ثم يترك الآثار المعبرة على جدران الكهوف حيث بيت الانسان الاول‬

أتمنى من المشاهد أن ينظر الى لوحتي بعين الحس أولا وثم بعين التخيل ، كي يكتشف جماليات ما وراء اللوحة ويتذوقها

لاشيء في الطبيعة بلا جدوى ، فلكل شيء جدوى ، وكل شيء فريد

ان الممالك الدنيوية كلها ستزول ذات يوم ، لكن الأعمال الفنية لن تزول وستبقى خالدة الى الأبد


الماقبل منطقي ، هو عالمي المنطقي‬

ان اللوحة لايمكن أن تسر ناظرها ، ولايمكن أن تخلد ، ان لم تكن ريشة الفنان مغموسة بنبيذ الحب الصافي والطفولة البريئة