Thursday, December 13, 2012
صدرالدين أمين رسام العوالم الخرافية من كركوك إلى العالم الجديد
عندما تنبثق الألوان من عزلة الفنان
فيصل عبد الحسن - الرباط
معرض الفنان العراقي صدر الدين أمين الأخير في قاعة مكتبة لانكستر العامة، بينسلفانيا، في الولايات المتحدة قبل فترة قصيرة نقل لزائري معرضه، عبر لوحاته المعروضة دأبه المستمر على تعميق تجربته في الرسم البدائي، التي بدأها في العراق منذ معرضه الجماعي الأول في مركز الفنون خلال مهرجان الواسطي ببغداد عام 1989وأكدها فيما بعد في العديد من المعارض الجماعية التي شارك فيها، وكذلك معارضه الفردية داخل وخارج العراق.
وقد أظهرت تجربته الفنية الفريدة فيما رسمه من لوحات طوال عمره الفني، مدى العزلة النفسية التي عاشها الفنان في وطنه، وحاول أن يصنع من عزلته تلك لوحات تحاكي ما رسمه الأطفال وما فكروا به، وما عاشوه أيضا من أحلام وكوابيس، وما تخيلوه من حيوانات أسطورية، وأفكار طريفة للتعبيرعن فرحهم، وأملهم بتحقيق ما يرغبون في تحقيقه، من خلال أبتكارهم ألعابا وأشكالا في غاية الطرافة، والإبداع.
أزمات نفسية
الكتابة عن تجربة صدر الدين أمين الفنية لا يمكن أن تحاط بعدد قليل من الصفحات، فالكتابة عن رسمه تحيلك فورا إلى علوم شتى وتجارب إنسانية غنية، وفنون شتى، فهي تجربة أطرها صانعها بثقافة موسوعية عن علم النفس والفلسفة، وثقافة فنية متراكمة، ودربة ومهارات على طرائق الرسم، وأستفادة مما تم أبتكاره خلال أربعة قرون من تأريخ الفن التشكيلي في العالم، وقد أعطى نتائج مثمرة أنغماسه العميق في عمله الفني، الذي يشبه تصوف المتصوفين، الذين ينسون كل شيء غير ذلك الذي أعتقدوا أنهم خلقوا من أجله، ذكر الله تعالى وعبادته، وتنزيهه، وترديد صفاته وخصاله المجيدة، وتمجيد ما خلق من جليل صنعه سماوات وعوالم وكواكب ومجرات، أنه يحاول في كل لوحة من لوحاته عكس هذه العلاقة، ورسم المخطوط على اللوحة، وربطه بصريا بما عاشه الفنان من أزمات نفسية وشعورية، وحاول التعبير عنها، بالخطوط والألوان، والأصوات التي تأتيك عبر لوحاته، فثمة أصوات طفولية تتخيلها، وهي تناديك عبر كل لوحة ويخيل لك أنك تسمعها واضحة كلما أوغلت في التجوال في بستان لوحاته، أنها تنقل لك خوفها وفرحها وأملها بالمستقبل وهواجسها وريبتها مما يحيط بها من مخلوقات حية في هذا العالم الواسع.
رؤية بصرية
عالم صدر الدين أمين الفني عالم واسع كعالم الطفولة، وقد زينه بالكثير من خرافات الأهل وقصصهم الشعبية، وتجد فيه الموروثات الإسلامية واضحة، وبالذات تأثيرات رسم المنمنمات، وتزيين هوامش الكتب التراثية، وما تركه الأجداد في الكهوف من نقوش ورسومات، تظهر جانبا من ممارساتهم الحياتية والعقائدية، وكتاباتهم التصويرية، وفيها أيضا تجد ذلك التصدع الذي احدثته آلات ومبتكرات صناعية، فأحالت الحلم الطفولي إلى أستشراف مستقبلي لعوالم بعيدة عنا، وربما تقع في مجرات أخرى.
ومعظم لوحات الفنان لا تجد فيها مساحة خالية من الرسم، فهو يرسم كل جزء من لوحته، فتزدحم لوحته عادة بالرسومات، التي تظن في البداية أنها رسمت أعتباطيا، ولكن حالما تدقق النظر فيها، تجد أنها تتكامل لتكون رؤية بصرية جمالية متكاملة، وغالبا ما تكون موضوعاتها، رؤية الأشباح والأحلام، والسباحة في الفضاء، والسفر إلى عوالم ميتافزيقية لا يمكن تخيلها إلا عبر الحلم والخيال الطفولي، ولن نقول أن الفنان لم يتأثر برسامي المدرسة الوحشية، أو أنه لم يتمثل لوحات غيره من فناني المدرسة الدادائية والسريالية، ولكنه تمثلها بشكل مبدع وخلاق، فالرائي يرى خطوط شيغال وأحلامه وكوابيسه، وكذلك مخلوقات سلفادور دالي، الذي ربما يشبه فناننا من حيث الشعور بأنه نصف ميت، ونصف حي لكون والديه أطلقوا عليه أسم أبن لهم توفي قبل ثلاث سنوات من ولادته، وكون صدر الدين أمين ولد ليكون الولد الفنان الرابع بين ثلاثة أشقاء من الفنانين في عائلة كردية تعيش في كركوك، أو تأثيرات هنري ميشو وهو الأب الروحي للفن الفطري في الرسم العالمي، والكتابات الهيروغليفية القديمة، والوجوه السومرية والبابلية والأشورية.
رسام وحشي
أن علاقة الأخوة التي ربطته بفنانين، يتبارون بينهم لكي يكون كل واحد منهم الأهم في نظر العائلة، في عالم من العزلة خلقتها أسباب سياسية وأجتماعية، كون أحد اشقائه صعد إلى الجبل متمردا على سلطة الدولة، وتلك العزلة جعلته يلتقي بمثقفين عراقيين في مدينته كجليل القيسي، وغيره من الكتاب والمثقفين والفنانين في مدينة كركوك، وأن ينهل من الثقافة ما وسعه، وجعلته ظروف الحرب التي مرت في العراق في الثمانينات أن يترك دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد مكتفيا بسنة واحدة من التعليم في مدرجاتها، وقد حمل منها معه شهادة كبيرة ستبقى مؤثرة في روحه، وستمده بالكثير من الثقة فيما رسم ويرسم، وهي الشهادة التي تلقاها من أستاذه في الأكاديمية المرحوم الفنان محمد صبري، الذي نعته أمام الطلاب بأنه رسام وحشي نسبة إلى المدرسة الوحشية في الفن.
اللوحات التي رسمها الفنان أمين تعتبر من ناحية الحجم كبيرة نسبيا، فهي تتراوح بين 1.30 م في 1.1 م و1.1 في 9. م وهي بذلك تعرض جميع مهارات الفنان، وقدرته على رسم المتواليات البصرية، وخلق الرؤية الجمالية من خلال توزيع الألوان على مساحة اللوحة، وأتقان توزيع ثيمة كل لوحة في تراتيبية بصرية، وأحساس جمالي متميز، تشعر الطفل في داخل كل رائي بالفرح والحزن والغبطة والريبة والتوجس من القادم الغريب الذي لا نفهمه، ولا نعرف له مثيلا، أنه رسام العوالم الخرافية المتميز، القادم من مدينة كركوك ليواصل عمله الفني في العالم الجديد.
جريدة الزمان
13/12/12
Friday, July 27, 2012
صلابة الرسم ، في تجربة صدرالدين امين
بقلم : خالد خضير الصالحي
بينما كان الأسلوب العضوي لفنانين مثل ميرو وتانغي تومئ فيه الأشكال إيماءة طفيفة بشبه لأشياء حقيقية هي في العادة أجزاء من الجسد الإنساني... وهو أسلوب مثقل بالاستعارة والقرائن". (ادوارد لوسي سمث، الحركات الفنية بعد الحرب العالمية الثانية، بغداد 1995، ص 23)، وصنّف الرسم (التعبيري - التجريدي) إلى "نوعين من الرسم وليس نوعا واحدا، النوع الأول، الذي يمثله بولوك وفرانز كلاين ووليم دي كوننغ كانا يوليان اهتماما كبيرا للتشخيص. أما النوع الثاني الذي يمثله مارك روثكو فهو أكثر تجريدا وأكثر سكينة" (السابق، ص 33)، بينما اتبع هربرت ريد في كتابه (الفن والمجتمع) وبعض كتبه الأخرى تقسيما آخر لفن الرسم إلى :طبيعي وهندسي.
لقد جلب اهتمامي، في تجارب العديد من الرسامين التجريديين، وجود بنيتين متمايزتين للأشكال في لوحاتهم التجريدية هما : الأولى، بنية خطية صلبة (كاليغرافية)، ربما هي التي عناها ادوارد لسي سمث بـ(المظهر العظميّ) للتعبيرية الحديثة، ولا نعرف دقة الترجمة هنا، إلا أننا نعتقد انه يعني بها ربما رسوم (الحواف الصلبة)، والثانية، بنية لونية ضبابية محايثة.
صدر الدين أمين.. مشخصات معزولة بالخط الخارجي
إن بعض الرسامين العراقيين، وان لم يكونوا نحاتين بدرجة ما، فقد كانوا معنيين بقيم النحت وأهمها (الجوهر الصلب) الذي شكّل عنصرا مهما في بناء شق مهم من تجربة الرسم العراقية، وهو شق قائم على البحث في البنية الكاليغرافية (=الخطوطية =الجوهر الصلب) من خلال معالجة اللوحة معالجة مزدوجة، ومتعاقبة زمنيا أحيانا، معالجة تؤدي في النهاية إلى فصل مستويات اللوحة باعتبارها مؤلفة من مكونين او شريحتين هما: البنية اللونية الغائرة في الخطوط الخلفية للوحة، وتشكلها طبقة ضبابية من اللون يتمّ اشتغالها بلطف تقني غالبا، حتى لا يتغلب فيها عنصر أو لون على آخر، على أن تعقبها، بل فوقها، طبقة أخرى أحادية اللون، خشنة، وصلبة، وداكنة، وربما أحيانا سوداء فاحمة، أو غائرة منجزة بأداة حادة تحفر سطح اللوحة المطلي بمادة ناتئة، وهو ما نعنيه بالجوهر الصلب الذي يشكل ما يشبه (الهياكل العظمية) التي تستند إليها الأشكال، وهذا ما نجده في تجارب الرسامين: صدر الدين الأمين، وفاخر محمد، وتجربتي هناء مال الله وكريم رسن في مراحل سابقة، وكذلك تجارب متزايدة لخطاطين إيرانيين يشتغلون على خط الشكسته، فقد كان هؤلاء يبنون لوحاتهم من مستويين متراكبين رغم اختلاف أساليبهم وأشكالهم، إلا أن ما يجمع بينهم وجود هيكل بنائي خطي صلب (كونكريتي) ترتكز عليه الأشكال، كما هي عند الرسامة اللبنانية سلوى زيدان، أو يرتكز على الأشكال أو يحيطها مشكلا غلافا كغلاف الخلية الذي يحيطها، كما في الرسام العراقي المقيم في بنسلفانيا صدر الدين أمين، حيث كانت كائناته المغلقة تتخذ شكل (خلايا) مغلقة بجدار سميك أسود يحيطها كما تحيط الأسوارُ المدنَ، جدارا صلبا، داكنا وقاسيا كالقناع الحديدي الذي أطبق على رأس الأمير في فيلم القناع، فكانت، وهي محاطة بذلك الجدار السميك، تنخرط برقصة جنونية لشامانات وحيوانات ومخلوقات أسطورية، كلها تنخرط في تلك الرقصة السحرية التي انغمس في لعبتها الرسام صدر الدين أمين وصار مشاركا فيها، حشود من البشر الذين يرتدي بعضهم أقنعة، ويضعون قروناً كما كان القدماء يرسمون السحرة في كرنفالات تشترك فيها كائنات لا حصر لتنوعها، تؤكد نزوعها،او نزوع الشكل نحو أزله العلاماتي، الأشد بساطة من الناحية الشكلية والذي يختزلها إلى نظام بعدي يتجاوز الخط (كبعد واحد) ولا يصل إلى البعدين، لكنه لا يصل إلى حالة التشكل فهو محاولة للعودة إلى الوجود الجيني للشكل أو (الوجود الحجيري) لشكل الكائنات.
يستند صدر الدين أمين على (فهمه) لجوهر تمثيل المشخصات من خلال تواشج وسائل تعبير مختلفة معا، فهو يعيد اللوحة، في طياتها المتعددة، إلى مرحلة غائرة، كانت فيها فنون التصوير والرسم والنحت ما زالت مندمجة في أول ظهورها في فنون ما قبل التاريخ (فن الكهوف) وكان يصعب تحديد اجناسية الأعمال فيها، فقد أنجزت الأعمال بطريقة (حفر) الخطوط الخارجية الرئيسية السميكة للأشكال ثم إتمام اللوحة باعتبارها صورة باستخدام اللون، فقد كان صدر الدين، كسلفه فنان الكهوف، يركز على إظهار (الهيكل البنائي للأشكال) أو ما يسميه هنري جيمس (البلورة أو الجرثومة) ويسميه بيكاسو (علامة الشيء التي لا تمحى)، وهي ليست سوى تلك العلامة الممثلة بخط خارجي سميك فاحم؛ ويبدو أن كلا من هذين المستويين (يشتغل) بآليات توصيل بصرية تختلف عن الأخرى، وبذلك تبدو لوحات صدر الدين أمين وكأنها لوحة (مفروزة) لونيا إلى شريحتين تتم طباعتهما بمرحلتين متتابعتين، فتطبع اللونية منهما أولا، ومن ثم تطبع الشريحة الخطية السوداء فوقها دائما.
يبدو لي أن الرسام صدر الدين أمين لم يكن رساما (تجريديا) في أي وقت، فكل أشكاله إن هي إلا مرحلة من مراحل مضطردة لتبسيط أشكال المشخصات وصولا إلى (صورة) استوطنت ذاكرته عن ذلك المشخص، لذا كانت (فكرة الشيء) قد تركت في ذهنه، وفي لوحته أخيرا، وهو الأمر الأهم، أثرا لا يمكن محوه مهما أوغل صدر الدين باتجاه التجريد (=التبسيط)، فقد أوغل المشخص ذاته بعيدا في نفس (=ذاكرة) لوحة صدر الدين أمين، ولم تعد عمليات الكبح والتعديل والاسلبة والتشويه، وكل ما يطال ذلك المشخص، تؤثر في (البنية الجوهرية) للمشخص، وهذه ليست سوى بنية خطية كاليغرافية تشكلها الخطوط الأساسية التي تمثل (علامة الشيء) من خلال تحقق عنصرين هما أهم الصفات الأساسية للرسامين المخططين، وسبق لي أن وصفت بهما تخطيطات الرسام هاشم تايه وهما: القوة والبساطة في التكوين الخطي، فيبدو هؤلاء، ومنهم صدر الدين أمين، مؤمنين بما قاله وليم بليك مرة "أن القاعدة الذهبية والعظيمة للفن، والحياة معا، هي هذه: كلما كان الخط الحدودي أكثر بيانا، ووحدة، ووترية، ازداد العمل الفني تكاملا .. تخلّ عن هذا الخط، وستتخلى عن الحياة نفسها، ويعود كل شيء إلى الفوضى"، وتبدو لنا كلمة (الفوضى) العقدة التي يفزع منها صدر الدين أمين، فرغم كل ما يبدو في منجزه من سمات فوضوية، فان توكيده على السمات الخطية، في آخر مراحل انجاز اللوحة، من خلال خطوط خارجية سوداء سميكة، هو إجراء يعيد التوازن إلى لوحته ويعطيها جوهرا (مسيطرا عليه) من الناحية الشكلية على الأقل، فتبدو مشخصاته جواهر منفردة ومستقلة عن بعضها بعضا ومكتفية بذاتها وان التجاور الذي وضعه صدر الدين فيه لم يؤدّ بالضرورة إلى تواشج شكلي، أو موضوعاتي فكان استقلال مشخصاته حقيقة واقعة حتى النهاية وذلك راجع، في درجة كبيرة منه، إلى الخط الخارجي الأسود السميك الذي يحيط مشخصاته ويعزلها تماما عن العالم الخارجي وعن بعضها
جريدة المدى العراقية
العدد : 2548
07 /27/ 2012 : السنة
Subscribe to:
Posts (Atom)






